تستعد لندن لتحول تاريخي في كيفية إدارتها للحياة الرقمية لمواطنيها الشباب. وقد طرحت الحكومة البريطانية اقتراحاً مفاده أن سيتم تقييد الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي بالنسبة للقاصرين الذين تقل أعمارهم عن 16 عامًا، وهو قرار يسعى إلى معالجة مشاكل الصحة العقلية والمخاطر الأمنية الكامنة باستمرار على الإنترنت من جذورها.
يبدو أن كير ستارمر، الذي كان متشككًا إلى حد ما في البداية بشأن هذه الإجراءات الجذرية، قد غير رأيه بعد رؤية دعم هائل من العائلات البريطانية في المشاورات العامة. وهذا صحيح، حيث أن جميع الآباء الذين تم استشارتهم تقريباً يرحبون بفكرة إضفاء بعض النظام على هذه الفوضى الرقمية التي يقضي فيها الأطفال ساعات دون إشراف.
المثال الأسترالي والضغط في البيئة الأوروبية

الفكرة ليست جديدة، لكن انضمام قوة مثل المملكة المتحدة إلى هذه الحركة يمنحها ثقلاً دولياً هائلاً. إنهم يولون اهتماماً بالغاً لما يتم تطبيق ذلك بالفعل في أستراليا.حيث لا يتهاونون في تطبيق القوانين، وقد فرضوا غرامات صادمة حقاً على الشركات التي لا تلتزم بلوائح الحد الأدنى الإلزامي للسن.
يهدف هذا التحرك إلى حثّ شركات عملاقة مثل تيك توك وإنستغرام على التوقف عن التنصل من المسؤولية عن هذه القضية والبدء في استخدام أدوات إجراءات تحقق أكثر جدية بشأن العمر وفعّالة. لم يعد مجرد وضع علامة في مربع يشير إلى أنك أكبر سناً كافياً بعد الآن؛ فهناك حديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتقدير العمر عن طريق التعرف على الوجه أو حتى طلب وثائق رسمية إذا تعقدت الأمور وظهرت شكوك في التزوير.
بالإضافة إلى ذلك، تتصور الخطة البريطانية نظامًا أكثر مرونة أو هجينًا إلى حد ما، حيث سيتم تضمين بعض التطبيقات التي تعتبر منخفضة المخاطر. قد لا تزال متاحة للمراهقين. تكمن المشكلة الأساسية في التمييز بين المفيد والرديء، وعدم الجمع بين مورد تعليمي وشبكة مصممة خصيصًا لجذبك إلى خاصية التمرير اللانهائي سيئة السمعة.
موقف إسبانيا ودور بروكسل التنظيمي

إن هذه الحركة في لندن ليست حدثاً معزولاً، بل هي جزء من موجة تجتاح القارة العجوز بأكملها بقوة كبيرة. دول مثل بدأت فرنسا والدنمارك واليونان بالفعل باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه. لتعزيز قوانينهم الخاصة، مما يدل على أن الاهتمام برفاهية القاصرين هو شعور مشترك في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي تقريبًا اليوم.
في بلدنا، كانت الحكومة الإسبانية من أكثر الجهات صراحةً في الدعوة إلى عمل منسق من بروكسل لتجنب الحلول الوطنية الجزئية. الفكرة التي تدافع عنها مصادر مقربة من رئيس الوزراء هي أنه بالنظر إلى أن هذه الشركات ذات حضور عالمي، فليس من المنطقي أن تخوض كل دولة معركة بمفردها؛ بل هناك حاجة إلى جبهة أوروبية موحدة حتى تأخذ شركات التكنولوجيا قواعد اللعبة الجديدة على محمل الجد.
من جانبها، تعمل المفوضية الأوروبية بالفعل على تطوير أنظمة يمكنها التحقق من أن المستخدم قاصر. دون تعريض خصوصيتهم للخطر شخصي. إنه توازن معقد إلى حد ما، لأنه لا أحد يريد أن يصبح الإنترنت دولة مراقبة جماعية، ولكن من الواضح أن التنظيم الذاتي الذي دافعت عنه المنصات بقوة قد فشل تمامًا ولم يكن فعالًا للغاية.
التحديات التقنية والتحكم الدقيق في المحتوى
تُعد المحتويات التي يتم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وخاصة محتويات المشاهير، من أكثر القضايا التي تسبب الصداع للمشرعين. مقاطع فيديو مزيفة ذات طبيعة جنسية تنتشر هذه المحتويات دون رقابة. وترغب الحكومة البريطانية في توجيه إنذار نهائي لشركات مثل آبل وجوجل لضمان قيام أنظمة التشغيل الخاصة بها بالكشف التلقائي عن هذه المحتويات ومنع القاصرين من الوقوع في براثن شبكات الابتزاز التي قد تدمر حياتهم.
كما أنهم يسعون إلى معالجة الخوارزميات المصممة لإبقاء المراهقين منغمسين في استخدام أجهزتهم المحمولة طوال اليوم. والهدف النهائي هو إزالة ميزات مثل التشغيل التلقائي من مقاطع الفيديو، التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى جعل الأطفال يفقدون الإحساس بالوقت ويهملون الأنشطة الأخرى الأساسية لنموهم البدني والعقلي.
على الرغم من أن بعض القطاعات العلمية تقول إن الحظر لمجرد الحظر ليس الحل السحري للمشكلة، إلا أن الواقع هو أن استخدام هذه الشبكات وتستمر في النمو بين الأطفال الأصغر سناً من المنزل. تشير البيانات الحديثة إلى أن حتى الأطفال الذين بدأوا للتو في القراءة يقومون بالفعل بالعبث بملفاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أثار مخاوف في داونينج ستريت وفي المؤسسات حول العالم.
تشير كل الدلائل إلى نهاية حقبة كان فيها القاصرون يتجولون بحرية في كل ركن من أركان الإنترنت دون أي إشراف يُذكر من الكبار. ومع طرح المقترح البريطاني وتزايد الدعم من دول أوروبية مجاورة، تتغير قواعد اللعبة لإعطاء الأولوية لـ... حماية الطفل من الأعمال التجارية إنها ببساطة قضية البيانات الشخصية. لن يكون الطريق سهلاً، لا سيما في ظل التحدي التقني المتمثل في التحكم الفعلي في الوصول إلى هذه المنصات، لكن الإرادة السياسية تبدو أقوى من أي وقت مضى لضمان بيئة رقمية أكثر أماناً وملاءمة للأجيال القادمة من الشباب.
