أصبحت برشلونة مركزًا لعالم التصوير الفوتوغرافي هذا الصيف مع وصول معرض طال انتظاره. وقد فتح مركز KBr التابع لمؤسسة Mapfre أبوابه لعرض أعمال فنية مميزة. أكبر معرض استعادي أقيم في أوروبا يركز هذا المعرض، وهو الأشمل حتى الآن، على مينور وايت، الفنان الذي لم يكتفِ بالتصوير، بل سعى إلى تجسيد جوهر الأشياء. إنه ليس معرضًا عاديًا، بل يجمع مجموعة رائعة من الأعمال الفنية التي تُتيح لنا فهم سبب كون هذا الرجل شخصية محورية في فن القرن العشرين.
يأخذنا المعرض، الذي يستمر حتى 6 سبتمبر، في رحلة عبر حياة وايت، مستكشفًا مدنه وهواجسه. من أيامه الأولى في بورتلاند إلى فترة إقامته في سان فرانسيسكو وروتشستر وبوسطن، يكشف المعرض كيف كان تطور من أسلوب وثائقي أكثر نحو تجريدٍ مُحمّلٍ بالرمزية. والحقيقة أن رؤية هذه المطبوعات القديمة عن قرب تحمل طابعًا روحانيًا، إذ كان وايت يعتبر التصوير الفوتوغرافي، قبل كل شيء، أداةً للمعرفة الذاتية ووسيلةً للتعبير عن عالمه الداخلي.
لغة التسلسلات والبحث الداخلي
من أبرز جوانب المعرض طريقة ترتيب الصور. فبدلاً من الصور الفردية، فضّل وايت إنشاء تسلسلات، على غرار ما يلي: سينما الصور الثابتة حيث تتفاعل كل صورة مع الصورة المجاورة لها. هذه التقنية تحث المشاهد على تجاوز الظاهر والمشاركة الفعّالة في السرد، وإثراء التجربة بتجاربه الشخصية. إنه نهج يختلف عن الصحافة التصويرية التقليدية، ويغوص في عالم الشعر البصري.
كان وايت تلميذًا نجيبًا لألفريد ستيغليتز، وقد أخذ مفهوم "التكافؤ" إلى أقصى حدوده. فبالنسبة له، يمكن أن تكون صورة لمنظر طبيعي أو لشيء يومي الترجمة البصرية للعاطفة داخلي. يكتسب هذا الأمر قوة خاصة عند تحليله من خلال عدسة سيرته الذاتية، التي تميزت بالحاجة إلى استكشاف هويته وميوله المثلية في عصرٍ فرض فيه القمع الاجتماعي الرقة والدقة. إن لوحاته العارية للرجال ومناظره الطبيعية بالأشعة تحت الحمراء ليست مجرد أعمال فنية؛ بل تعكس نضالاً من أجل الحرية الشخصية.
إرث يتجاوز حدود الكاميرا نفسها
لكن ماينور وايت لم يكن مجرد فنان استوديو؛ فقد امتد تأثيره إلى كل ركن من أركان عالم التصوير الفوتوغرافي. لقد كان أحد... مؤسسو مجلة Aperture الأسطوريةأصبح هذا المنشور منارةً للتصوير الفني في وقتٍ بدا فيه التوثيق البحت هو السائد. علاوةً على ذلك، ترك تدريسه في مؤسسات مرموقة مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بصمةً لا تُمحى على أجيالٍ من الطلاب الذين تعلموا رؤية العالم بعيونٍ مختلفة، باحثين دائمًا عن المعاني الأعمق التي قد تحملها الأشياء وراء مظهرها الظاهري.
لا يُعدّ المعرض في KBr حدثًا قائمًا بذاته، إذ يُكمّله سلسلة من الأنشطة التي تُضفي الحيوية على المشروع. فعلى سبيل المثال، قاموا بتنظيم حفلات موسيقى الجاز التعاونية بالتعاون مع معهد ليسيو الموسيقي، وقد عرض بعض أعماله في ميناء أوليمبيك. إضافةً إلى ذلك، يمكن للزوار الاستمتاع بمعرض ثانٍ عن خواكين توسكيتس دي كابيرول، وهو مصور هاوٍ تم إنقاذ صوره السلبية من النسيان بعد العثور عليها ملقاة في أحد شوارع مايوركا، مما يُقدم تباينًا مثيرًا للاهتمام مع أعمال وايت في تصوير برشلونة ما بعد الحرب.
يُتيح لنا هذا الحدث الثقافي الهام إعادة اكتشاف مُبدع، على الرغم من أهميته البالغة، إلا أنه تم تهميشه أحيانًا في كتب التاريخ الأوروبي. وتُتيح لنا هذه الفرصة التأمل في هذه الجوانب. أكثر من 250 نسخة أصلية تشكل هذه العناصر مجتمعةً رفاهيةً حقيقيةً تُبرز مكانة وايت المستحقة بفضل أصالته وإتقانه التقني. إنها تجربةٌ ممتعةٌ، من النوع الذي يجعلك تتأملها طويلاً بعد مغادرة المتحف، مُذكرةً إيانا بأن الصورة الفوتوغرافية الجيدة تحمل دائماً سراً ينتظر من يكتشفه.
