قبل أن تصبح أدوبي العملاق الذي نربطه جميعًا بتحرير الصور أو تحرير الفيديو، كان على الشركة أن تنافس في ساحة أقل بريقًا بكثير: طابعات المكاتب. في السنوات الأولى للحوسبة، لصنع ما تم تصميمه على الشاشة كان جعلها تتطابق مع ما خرج من صينية الورق بمثابة محنة حقيقية تنتهي عادة بالإحباط ونتائج ذات جودة منخفضة للغاية.
بدأت المغامرة فعلياً في مركز أبحاث زيروكس بارك الأسطوري، وهو مركز ابتكار طُوّرت فيه العديد من الأدوات التي نستخدمها يومياً. هناك، اصطدم جون وارنوك وتشارلز غيشكي بجدار بيروقراطي عندما حاولا تسويق لغة تسمح وصف كل عنصر رياضيا صفحة واحدة. في مواجهة رفض شركة زيروكس، قرر كلاهما خوض التجربة وأسسا شركة أدوبي في عام 1982، وأطلقا على الشركة اسم جدول صغير كان يمر بالقرب من منازلهم في كاليفورنيا.
المشكلة التقنية التي لم يعرف أحد كيفية حلها
في ذلك الوقت، سيطرت طابعات المصفوفة النقطية على السوق المنزلية، مقدمةً نصوصًا ورسومات منقطة تفتقر إلى الجودة المطلوبة. أما البدائل الاحترافية فكانت آلات تأليف باهظة الثمن للغاية وهو ما قد يكلف ثروة طائلة، مما يخلق فجوة هائلة للشركات الأوروبية والأمريكية الساعية إلى الجودة دون التعرض للإفلاس. أدرك وارنوك أن المفتاح لا يكمن في بناء آلة أفضل، بل في ابتكار برمجيات مستقلة عن الأجهزة.
وُلدت لغة PostScript تحديدًا انطلاقًا من فلسفة الحرية هذه. لقد كانت لغة قادرة على إخبار أي طابعة، بغض النظر عن علامتها التجارية، كيف أرسم كل منحنى؟ أو الطباعة بدقة تامة. كانت هذه البنية المحمولة درسًا بالغ الأهمية استخلصه وارنوك من مشاريع سابقة: إذا لم يكن البرنامج مرتبطًا بجهاز معين، فإن إمكانيات التوسع لا حدود لها عمليًا.
التحالف مع شركة آبل والانطلاقة الحاسمة
على الرغم من أن الأمر يبدو غير معقول اليوم، إلا أن أول دفعة كبيرة لشركة أدوبي لم تأتِ من برامج التصميم الإبداعي، بل من صفقة مباشرة مع ستيف جوبز. كانت شركة آبل بحاجة إلى طابعة قادرة على معالجة الرسومات المتقدمة من جهاز ماكنتوش إلى دخول قطاع الأعمال بشكل كامل، امتلكت أدوبي الحلقة المفقودة. في عام 1985، تم دمج لغة بوست سكريبت في جهاز ليزر رايتر، مما شكل بداية ثورة النشر المكتبي التي غيرت غرف الأخبار في جميع أنحاء العالم.
لم تكن هذه الخطوة مجرد اتفاقية توزيع بسيطة، بل كانت... اتفاقية استراتيجية هامة بل إن شركة آبل ذهبت إلى حد شراء حصة في شركة أدوبي. وبفضل هذه الشراكة، أصبح بإمكان أي مستخدم يمتلك جهاز ماك وطابعة ليزر رايتر إنتاج مستندات بجودة احترافية مباشرة على مكتبه، وهو أمر كان في السابق أمراً لا يمكن تصوره بالنسبة للناشرين الصغار في إسبانيا وبقية أوروبا.

من البنية التحتية غير المرئية إلى التصميم الجرافيكي
ينسى الكثيرون أن برنامج فوتوشوب لم يظهر إلا في عام 1990، أي بعد ما يقرب من عقد من تأسيس الشركة. خلال تلك السنوات، ركزت أدوبي على بناء قاعدة دخل متينة عن طريق ترخيص تقنيتهم لمصنعي الأجهزة. وبمجرد إتقانهم لغة الآلات، بدأوا في بناء أدوات للمبدعين:
- الخطوط الرقمية من النوع 1: لقد سمحت هذه التقنية للخطوط الكلاسيكية بأن تبدو مثالية بأي حجم.
- المصور: أُطلقت عام 1987 لتسخير قوة الرسم المتجه.
- PDF: تطور لتقنية PostScript أصبح المعيار العالمي لمشاركة المستندات.
كان الانتقال من كونها شركة بنية تحتية غير مرئية إلى أن تصبح الوجه المرئي للإبداع الرقمي عملية ذات طبقات متتالية. بعد أن كانت بالفعل تدفق نقدي مستقر بفضل عائدات حقوق الطباعة، تمكنت شركة أدوبي من شراء حقوق فوتوشوب إلى الأخوين نول وإتقانها قبل طرحها في السوق، دون ضغط جولات التمويل التي تخنق العديد من الشركات الناشئة الحالية.
إن فهم هذه الرحلة يعلمنا أن القوى التكنولوجية الكبرى غالباً ما تُبنى على حلول لمشاكل تبدو مملة أو معقدة تقنياً. التركيز على حل مهمة منفصلة ولكنها بالغة الأهميةإن حقيقة طباعة المستند بشكل صحيح مكّنت شركة أدوبي من التحكم في المعيار الذي بُني عليه النظام البيئي الحديث بأكمله للتصميم. ولا شك أن هذا الصبر الاستراتيجي هو أعظم إرث تركه مؤسسوها، بل إنه يفوق أهمية الأدوات التي نستخدمها اليوم.